تعريفٌ بالشيخ المجاهد الربّاني: سارية الرفاعي -رحمه الله تعالى- مؤسِّس جمعيّة: زيد بن ثابت الأهليّة

  • الرئيسية
  • تعريفٌ بالشيخ المجاهد الربّاني: سارية الرفاعي -رحمه الله تعالى- مؤسِّس جمعيّة: زيد بن ثابت الأهليّة
تعريفٌ بالشيخ المجاهد الربّاني: سارية الرفاعي -رحمه الله تعالى- مؤسِّس جمعيّة: زيد بن ثابت الأهليّة

تعريفٌ بالشيخ المجاهد الربّاني: سارية الرفاعي -رحمه الله تعالى- مؤسِّس جمعيّة: زيد بن ثابت الأهليّة


سارية عبد الكريم الرفاعي (1948 م – 2025 م)
 

 

هو الشيخ الربّاني المجاهد، العالم والمفسّر والفقيه، الصادح بالحقّ، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، ذو الأيادي البيضاء، إمام وشيخ جامع زيد بن ثابت الأنصاري في دمشق وصاحب نهضته في تسعينيات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين الميلاديّ. صاحب الهمّة العالية في الدعوة وخدمة عباد الله.
هو: سارية -أبو ياسر- بن الإمام المُصلح عبد الكريم الرفاعي الحُسينيّ الدمشقيّ الشافعيّ (1904 - 1973 م) بن عبد الله والذي يعود نسبه إلى سيّدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما سبط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أمّه السيّدة يسرى الطير الدمشقيّة الصالحة الزاهدة، مَن أعانت الشيخ عبد الكريم في طريق دعوته فصبرت على ضيق حاله المعيشيّ أحيانًا وأحسنت تربية أبناء الشيخ حتّى وضعتهم على طريق أبيهم.

للشيخ سارية من الأشقاء: الحاج الصالح السيّد: عبد الله، وقد توفّي سنة 2021 م في مدينة قونيا من أرض تركيّا، والشيخ العالم المجاهد أسامة حفظه الله تعالى، والشيخ الداعية معاذ حفظه الله تعالى، ومن الشقيقات الصالحات المربّيات: زينب، قمر، رجاء، سميّة، ندى، وإيمان -حفظهنّ الله تعالى-.

 

وُلِدَ في دمشق حاضرة العلم في الشام عام 1948 م في حيّ القنوات، عاش في القرن الخامس عشر الهجريّ وأقام فيها جلّ حياته، ترعرع في بيت العلم والدعوة والنهضة الدعويّة السامقة؛ دعوة والده الشيخ عبد الكريم الرفاعي.
التحق بمعهد الجمعية الغرّاء (التي أسّسها الشيخ المجاهد علي الدقر عام 1924 م بدمشق وأضحت منارة للعلم والدعوة، تخرّج منها المئات من علماء ودعاة ووعاظ بلاد الشام) ودَرَسَ فيها المراحل الدراسية كلها، حتّى نال ما يُسمى بالشهادة الثانوية عام 1966 م.

بعد ذلك وجهه والده للخروج إلى مصر للالتحاق بمشايخ الأزهر الشريف، خاصّة أنّ جامعة دمشق لم تكن تستقبل خرّيجي المعاهد الشرعيّة المشيخيّة، فانتظم في القاهرة على أيدي مشايخ الأزهر، وكان قد تخصّص في أصول الدين حتّى حصل على شهادة الأزهر في عام 1974 م ثمّ أكمل طلبه للعلم حتّى حصل على "درجة الماجستير" في التفسير في عام 1977 م ، وهي درجة متقدّمة من التخصّص في هذا العلم في ذاك الوقت.
عاصرَ فترة ما بعد سقوط الخلافة العثمانيّة وانقسام الدولة الإسلامية إلى دويلات رزحَت تحت احتلالِ ثمّ نفوذِ الغرب الصليبيّ، وما تخلّل ذلك من احتلال شذّاذ الآفاق اليهود الصهاينة لأرض فلسطين في الشام، وما كان من ثورات إسلاميّة وشعبية ضد المحتلّين ثمّ ضد أشكال الحكم اللادينيّ والشيوعيّ وغيره في هذه الدويلات. ليقضي الله تعالى بعد هذا الجهاد والدعوة أن تصعد الروح إلى بارئها في مدينة استانبول يوم الاثنين السادس من الشهر الأوّل لعام 2025 م بين صلاة الظهر والعصر الموافق لليوم السادس من شهر رجب لعام 1446 من الهجرة النبويّة، وقد بلغ ما يقرب من ثمانية وسبعين عامًا. بعد أن أصابته جلطة دماغيّة أُولى أثقلت حركة أعضاء جسمه في شقّه اليساريّ، ثمّ بعد عشر سنوات أصابته جلطة ثانية قبيل وفاته ليرافقها عدّة أمراض أدخلته إلى المستشفى في استانبول ليقضي فيها أشهرًا تحت العناية المشدّدة من قِبَل الأطباء.

آخر ما ختم به حياته من الدعاء هو ما قاله حينما كان يستيقظ من غيبوبته أحيانًا: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وأمتني ما كان الموت خيرًا لي)، وقد نقلته عن نجله الأستاذ محمّد ياسر الذي سمعه منه مباشرة حينما كان جالسًا إلى جواره، وذلك قبل إصابته بالجلطة الدماغية التي لم يعد يستطيع التفاعل بعدها مع من حوله (حيث أصابت الجلطة القسم المتعلّق بردّة الفعل من الدماغ لكنّها - والله أعلم - لم تُصب القسم المسؤول عن التلقّي والإدراك). وقد أُصيب بالجلطة هذه قبل سقوط نظام الهارب بشّار الأسد ببضعة أيّام، فكأنّ الله أمدّ في عمره استجابة لدعائه هذا كي يسمع خبر سقوط الطاغية، وقد رأى الشيخ تاج الدين تاجي عَبرتَه حينما أخبره البشرى بحماس شديد.

ومن إكرام الله تعالى له أنه عندما أصابته الالتهابات الشديدة قبل وفاته والتي عادة ما تجعل الإنسان يهذي بعض الأحيان؛ أن كان هذيانه من قبيل: فلنقم لنصلّي (ويكون قد صلى الفرض قبل قليل) ثم يطلب مرة ثانية وثالثة أن يعيد صلاته، أو يذكر الله كثيرًا، ولم يهذي بشيء غير ذلك أبدًا.

وقد كان والده الشيخ عبد الكريم قد ابتلاه الله بمثل هذا قبل وفاته؛ فقد أصيب بشلل نصفيّ أقعده عن العمل الدعويّ ستّة أشهر، وقبيل وفاته بعشرة أيّام أصيب بغيبوبة لم يُفق منها إلّا لحظة ملاقاة الله عزّ وجلّ وهو يقول: (الله).

 

تزوّج الشيخ سارية من سيّدة كريمة داعية وواعظة هي: سهام عبدو السقبانيّة وله منها من الأولاد الذكور أربعة هم: الشيخ محمد ياسر الإمام الراتب لجامع زيد، والأستاذ محمد عمار والسادة الكرام محمد ومحمد بشار، ومن الإناث اثنتين واعظتين: أُمامة وغفران - حفظهم الله تعالى جميعًا - . كما وصل عدد أفراد أسرته الكاملة من أبناء وأحفاد وأصهار وكنّات إلى 46 فردًا. أعان جميعهم الشيخَ في طريق دعوته وجهاده وهجراته، ساروا معه حيث سار وأسندوا ظهره حينما كان يصدح بكلمة الحقّ في كلّ مرحلة من مراحل حياته.

ومن صور وفاء الحاجّة أم ياسر حفظها الله تعالى للشيخ وحبّها له أنّها قامت على خدمته بنفسها؛ دون أن تسمح لأحد من أولادها أو غيرهم أن يشاركها بالعناية بشؤونه الخاصة، حتى لو كانت مريضة بعض الأحيان، وجعلت ذلك عهدًا على نفسها حتّى توفّي. وكانت - حفظها الله - لا تبخل بأيّ جهد لإعانته في دعوته بما يخصّ تعليم النساء وإدارة دروسهنّ النسائية، ومتابعة تطوير الدعوة النسائيّة في جامع زيد وغيره. وكانت تشدّ على يده وتظهر له الإسناد في عدم ممالأة الطغاة ولا ترضى منه أن يفكّر طويلًا في رفض عروضهم، وتعينه حينما تشعر بأنّ الظالمين يريدون إرهابه وإخافته.


 

هو وريث سلسلة ذهبية في تلقّي العلم والمنهج الربّاني في الدعوة والزهد ونشر الخير بين الناس، من شيخه ووالده الشيخ عبد الكريم عن شيخه العلامة علي الدقر الدمشقي المجاهد (1877 - 1943 م)، عن الشيخ المجاهد المحدّث الأكبر العلامة بدر الدين الحسني (1850- 1935 م) ، والشيخ العارف بالله الأصوليّ محمد أمين سويد (1855 - 1936 م)، إلى مشايخهم فمشايخهم فالتابعين فصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
تتلمذ لعدّة أعوام على مفتي سُورِيَا الطبيب المجاهد محمد أبو اليسر بن محمد صلاح الدين الشهير بعابدين وأخذ عنه العربية والفقه الحنفي (1889- 1981 م)، وبقي لسنوات عدّة يخصّص له الشيخ درسان خاصّان معه، وسمع منه المسلسل بالأوليّة.
وجالس كبار علماء زمانه وأخذ عنهم؛ كالشيخ المربّي الفرضيّ العلامة الموسوعي نايف العبّاس (1912 ـ 1987 م) صاحب المُكنة في التاريخ واللغة. والفقيه اللغوي الشيخ خالد الجَباوي سليل عائلة العلم وأحد أبرز علماء مدينة إنخل (1912 - 2003 م) وقرأ عليه بصحبة أخيه الشيخ أسامة شرح ألفية ابن مالك في درس خاصّ في جامع باب مصلّى بدمشق. والمفسّر المحدّث عبد الرحمن الزعبي الطيبي (1910 -1969 م)، والعلامة الصالح المربّي والمصنّف المفسّر عبد الله سراج الدين الحسيني الحلبيّ نزيل المدينة المنوّرة (1924 - 2002 م) ابن الإمام محمّد نجيب شيخا الإسلام . - رضي الله عنهم أجمعين - .
من أساتذته في الثانويّة: الأديب الشاعر النسّاب الفيزيائيّ محمّد سعيد الطنطاوي (1924 – 2019 م)، والشيخ عبد الرزاق الحمصي الدمشقيّ (1904 - 1969 م) ، والشيخ عبد الرحمن بن حسن حبنّكة الميدانيّ (1929 – 2004 م). الشيخ أحمد المقداد البُصْرَوي (1904 - 1963 م) الذي قال عنه الشيخ عبد الكريم الرفاعي: كان شيخ الشافعية. وتلقّى مادتي البلاغة والخطابة عن الشيخ الأديب المربّي صاحب النهضة العلميّة الرائدة محمّد صالح الفُرفور (1901 - 1986 م).

وممّن تتلمذ عليهم - رحمه الله تعالى - من علماء الأزهر الشريف ومصر الكنانة: شيخ الأزهر والوزير الإمام الشيخ عبد الحليم محمود (1910 - 1978 م)، والدكتور الشيخ المفسّر محمد محمود حجازي الملقّب بمحمّد الزكي (1914 - 1972 م)، ووكيل كليّة أصول الدين في الأزهر الشيخ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف (1906 - 1970 م)، وجمهرة كثيرة من علماء مصر الكبار - رحمهم الله جميعًا- .
وكثير من أئمة القرن العشرين الميلادي - رحمهم الله وجزاهم عن الأمّة كلّ خير - .

 

وقد حدّثنا مرّة عن زيارته العارفَ بالله حافظ التيجاني المصري في مصر، فقال: ((أثناء دراستي في مصر أيام الشباب ذهبت لزيارة الشيخ؛ وهو إذ ذاك شيخ معمّر بلغ مائة وعشرين عامًا، وهو شيخ الشيخ علي الدقر، والشيخ علي الدقر شيخ والدي الشيخ عبد الكريم الرفاعي - رحمهم الله جميعًا - . وكان الشيخ حافظ يستقبل زوّاره بعد منتصف الليل إلى ما قبل صلاة الفجر بساعة؛ لانشغاله في سوى تلك الأوقات بالعمل والتعليم. وكان الشيخ رحمه الله قليل الكلام؛ لا يتكّلم إلا في علم أو ذكر أو نصيحة. فقلتُ له: أريد منك وصية أحملها من شيخ مصر إلى أهل بلاد الشام. فقال: أوصيك أن تصلّي في ليلك ولو ركعتين، وتقرأ ولو صحيفتين - أي من القرآن - ، وتتصدّق ولو برغيفين، فإنّ هذا عمل فيه كل الخير)).

جمع - رحمه الله تعالى - بين العلم والدعوة وخدمة المسلمين والجهاد بالمال والمواقف، كان مشهورًا بجبر الخواطر، واللطف بحال المسلمين الدينيّ والدنيويّ، وحمل همّ نشر الدعوة بين الشباب وفي عموم الناس قبل خاصّتهم، لا يهاب أحدًا في الله عزّ وجلّ؛ كان هيِّنًا ليِّنًا كريمًا سَمحًا مع أبنائه وطلَّابه وأحبابه، والعامَّة من أهل بلده، وعموم المسلمين.. على حين كان أسدًا هَصورًا في وجه الاستبداد والطغيان، جَبَهَ أهل الباطل بكلمة الحقِّ، وتصدَّى لإجرام المجرمين منهم بجَسارة وصلابة، غيرَ مبالٍ ببطشهم ولا هيَّاب لتهديدهم!، حكيم، لا يأنف عن استشارة إخوانه من حوله، وقد اشتُهر بجودة ذهنه وحضور بديهته، ولطافة معشره. انشغل رحمه الله تعالى بصنع الرجال والدعاة والوعّاظ، وأهل الصلاح والربّانييّن من طلابه وأحبابه، ورفْعِ الأذى عن عامّة المسلمين، وجبر خواطر الأيتام والأرامل، وزرع الإيمان في نفوس أصحاب البلاء ...

يشهد طلاب الشيخ وإخوانه وأهله بمواقف كثيرة منها ما رويت وكثير ما لم تروى عن أنّه صاحب حال مع الله تعالى، والمؤشّرات كثيرة تتجلّى في أخلاقه وحاله مع الناس وعبادته وزهده وتقواه، والكثير من القصص التي رواها أصحابها عن دعوته المستجابة عند الله تعالى، فقد روى الشيخ محمّد فايز عوض أنّ الشيخ محمّد سعيد - وهو من مدينة: عين العرب - جاءَه مرّة إلى دمشق وقد سيطر عليه ألم رأسه ونغّص عليه حياته وأخذ منه كلّ مأخذ، ولم يعرف الأطبّاء تشخيصًا ولا دواءً لألمه، فطلب من الشيخ محمّد فايز أن يأخذَه للشيخ سارية ليطلب الدعاء منه، فوضع الشيخ سارية يده على رأسه ودعا له بعدما اهتمّ لألمه ومرضه هذا، فيقول الشيخ محمّد سعيد: فوالله إنّ الألم كلّه زال بعد ذلك ولم أعد أحتاج إلى دواء والحمد لله. ولعلّ من يقرأ هذه المقالة يروي ما شهد من حال الشيخ ودلائل طهارة قلبه، وصفاء سريرته.


 

كانت للشيخ سارية ثلاث هجرات في سبيل الله - كما نحسَبها - . الأولى كانت إلى المملكة العربيّة السُعُوديَّة سنة 1980 م بعد ثورة أهل سوريا وفتنة حركة الإخوان المسلمين في سوريا مع فرعونها الأوّل "حافظ الأسد" ، حيث تتالت التهديدات له ولأغلب علماء ودعاة أهل السنّة بالقتل أو السجن فخرج مع مَن خرج وأقام في المدينة المنورّة، حتّى عاد إلى دمشق سنة 1993 م بعد تطمينات حافظ الأسد له ولبعض العلماء بعدم التعرّض لهم.
أمّا الهجرة الثانية فكانت إلى جمهوريّة مصر العربيّة سنة 2012 م بعد اندلاع الثورة الشعبيّة في سوريا ضد حاكمها الكافر بشّار حافظ الأسد، وبعد أن يئس النظام من استمالته فأوحى له بأنّ هناك عصابات مسلّحة تعتزم قتلهُ إن عاد إلى سوريا (وقد كان معتمرًا حينها في بيت الله الحرام)، وهذا ما كان فعلًا؛ فقد قتلت أجهزةُ الأمن أولاد عمّه تحت التعذيب وقتلوا كذلك ابن اخته كي يدفعوه للخروج من سوريا. فهاجر ونزل في قاهرة المعزّ ليتابع دعوته وخدمته لأهل سوريا.

 

ليخرج بعد ذلك من مصر سنة 2013 م مهاجرًا إثر انقلاب فرعون مصرَ الجديد على رئيسها المُنتَخب الشهيد الدكتور محمّد مرسي العيّاط (1951 - 2019 م) في هجرة ثالثة إلى مدينة اسطنبول في جمهوريّة تركيّا حتّى توفّي فيها - رحمه الله وجزاه عن أمّة الإسلام خير الجزاء - .

ولقد عاش الشيخ في هجراته كغيره من عامّة السوريّين اللاجئين، حيث لم يحصل على أيّ جنسيّة لهذه البلدان، بل ولم يطلب أيّ مطلب شخصيّ من أي ّ مسؤول رغم احتياجه الملحّ لكثير من القضايا والاستثناءات له ولأسرته، فمثلًا بقي كلّ فترة مكوثه في تركيا بصفة (حامل بطاقة الحماية المؤقّتة) التي لا تُجيز له حتّى مغادرة المدينة التي صدرت منها البطاقة، فبقي ممنوعًا من الخروج - كحال كلّ السوريّين الحاملين لهذه البطاقة - إلى خارج تركيا أو بين المُدُن داخل تركيا. ولقد سُئل الشيخ يومًا لماذا لا تَطلب من الرئيس التركيّ "رجب طيّب اِردوغان" توطينك ومنحك الجنسيّة مع كلّ أفراد أسرتك؛ ولن يرفض لكَ طلبًا؟ فأجاب بقوله: (بئس العالِم على باب الحاكم).

كان الشيخ سارية خليلُ أخيه وسميّه؛ الشيخ المجاهد العالم الربّاني مفتي سوريا وإمام الدعاة فيها صاحب المواقف الجريئة في وجه الظلم أسامة عبد الكريم الرفاعي - حفظه الله تعالى - ، إمام وخطيب جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي في دمشق، وباني نهضته العلميّة والدعويّة السامية الشامخة. فمّما كتبه الشيخ بحقّ أخيه:
((أثمن ما تملكه في هذه الحياة أخ صادق... لذلك فإني أشكر كلّ إخواني، وأحبابي، على نصحهم لي، ونقدهم البنّاء لما أقوم به، ووقوفهم رغم المحن إلى جانبي. وأخصّ منهم، أخي الشيخ أسامة الرفاعي وأقول له لنعم الأخ أنت -ولكلمة الأخ معانٍ لا يعلمها إلا من خبرها- سرنا معًا فأخلصتَ في سيرك، ومشينا معًا فكنتَ خير دليلٍ وخير ناصح، بارك الله بك، وجمعنا وإياك وأحبابنا في مستقر رحمته مع النبيين والشهداء والصالحين.)).

امتلأت حياة الشيخ سارية بأحداث كبيرة، ومواقف عديدة تحدّث عنها رضي الله تعالى عنه كثيرًا وشهدها أناس كثيرون ممّن حوله، ومن عامة الناس كذلك. وهي كثيرة ونواحيها تتنوّع بين: الدعويّة - العلميّة - مجابهة المسؤولين والحكام وأتباعهم بكلمة الحقّ - الخطابة والتدريس - الورع والتصوّف - خدمة عموم عباد الله وخواصّهم.



من مواقفه المرتبطة بالثورة السوريّة ( 2011 - 2024 م ):

أسّس الشيخ عبد الكريم الرفاعي دعوته في دمشق وتوّجها بالنهضة الدعويّة والعلميّة في جامع زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه - الواقع في منطقة الفحّامة بمدينة دمشق - ، فانتشرت دعوته في أرياف دمشق وغوطتيها وامتدّت إلى كثير من حواضر الشام، ولم تنقطع هذه الدعوة تحت إدارة وإشراف الشيخ محمّد عوض وإخوته من طلاب الشيخ عبد الكريم، ليُكمل الشيخان سارية الرفاعي وأخاه الشيخ أسامة بعد الهجرة الأولى ومَن معهما من الرعيل الأوّل والثاني من طلاب الشيخ عبد الكريم هذه الدعوة المجيدة بمجد الإسلام والقرآن عام 1993 م ، والذين كان منهم - على سبيل المثال لا الحصر - :

الشيخ اللطيف الربّانيّ المربّي محمد سعيد كوكي الحمّوريّ نزيل دمشق وأحد أعلامها الكبار (توفي في 2010 م) رحمه الله، وشيخ قراء بلاد الشام الفقيه المقرئ الصالح محيي الدين بن حسن الكردي الداريّ (نسبة إلى ديار بكر من أراضي التُرك) الدمشقيّ الذي عاش فيها ومات فيها معمّرًا (1912 - 2009 م) رحمه الله تعالى، والشيخ الفقيه المربّي الزاهد محيي الدين الجراح الدمشقيّ والمدفون في القاهرة رحمه الله تعالى (1934 - 2024 م)، والشيخ المربّي الألمعيّ هيثم الإدلبي شهرة الدمشقيّ إقامة (1951 - 2023 م) رحمه الله تعالى، والحافظ المُقرئ المحدّث أسامة ياسين حجازي الكيلاني الدمشقيّ (1962 - 1998 م) رحمه الله تعالى. والأستاذ المحقّق الشيخ تاج الدين محمّد تاجي الدمشقيّ، والدكتور الأصوليّ الشيخ محمّد فايز نجل الشيخ محمّد عوض الدمشقيّ الشافعيّ - حفظهما الله تعالى -. وغيرهم من كبار دعاة ومشايخ دمشق.

 

كتب الله عزّ وجلّ لهذه الدعوة القَبول بين الناس، وغيّرت وجه دمشق إلى المزيد من التمسّك بالدين والاهتمام بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة والعلوم الشرعيّة، وأعدّت آلاف الدعاة العاملين والخطباء المفوّهين والحفّاظ المتقنين، واشتهر الشيخ سارية وجامع زيد بنجدة الفقراء والعناية بالمحتاجين والمساكين، حتّى تعاظمت جهوده ودعوته وصارت حديث الناس. 

وأمسى الشيخ سمة فارقة في عصره للعلم والعمل والدعوة، إلى أن ثارت غالبية أهل سوريا سنة 2011 م على جلادها وفرعونها "بشّار الأسد" الذي ظلمهم واغتصب الحُكم منهم وحكم بغير دين الله بل وجاهر بمحاربة دين الله تعالى، ثمّ انتصرت بالجهاد والمقاومة أواخر سنة 2024 م في اليوم الثامن من شهر كانون الأوّل.
عندها كان لا بدّ أن ينهض طلاب هذا المسجد والمساجد المقتدية بمنهجه فيثوروا فيمن ثاروا، ليكون منهم مجاهدون ومقاومون؛ فهم جزء من عامّة أهل الإسلام في سوريا. وشاء الله أن يكون من بين الشهداء في سبيله خلال مسيرة هذه الثورة المباركة - ومنذ أول يوم فيها - مَن نشأوا بين جنبات هذه المساجد في دمشق وريفها. وكان للشيخ في أحد المرّات كلمة في حقّ هذه الثلة المباركة فقال:
((شهداء مساجد زيد رحلوا إلى ربِّهم جميعًا. منهم القارئ الذي كاد إلا قليلًا أن يجمع القراءات العشرة، إضافةً إلى تخرُّجه من جامعته باختصاصٍ علْمي. ومنهمُ صاحبُ القلْبِ الذي يقْطرُ حلاوةً، وما رآه أحدٌ من النّاس إلا أحبه. منهم منْ كانت البسْمة لا تفارقه، طيّبَ المحيّا. منهم الطِّفلُ الذي جعلته الثّورة رجلًا، وكان نشاطُه يملأ المسجِدَ ضجيجًا وحركةً حتى يضيقُ به بعضُ المصلّين. منهم ومنهم...
مختلفون في أعمارهم، مختلفون فيما يحبُّون وما يطمحون إليه، ولكنْ تجمعهم محبّتهم للمساجدِ حتى كادوا يصبحون جزءًا من أساسها.
أعرفُ طفلًا منهم كان يأتي إلى مسجدِ "زيدٍ بن ثابت" لحفظ القرآنِ في الدورات القرآنيّة المكثَّفة، شكى إليَّ خادمُ المسجدِ أنّ هذا الطّالبُ يريدُ أن يبقى في المسجدِ في الأوقاتِ التي يكون فيها المسجد مقفولًا، ولكأنَّ ذاك الطفل عرف أن اللقاء مع المولى قريبٌ فأحبَّ ألا يغادر بيته، وألا يخرجَ من الدُّنيا إلا وفي جوفه شيءٌ كتابُ الله.
مختلفونَ في شكْل الموتِ الذي تعرّضوا له؛ فمنهم من لقي ربَّه في أقبيةِ النّظامِ تحتَ الاعتقالِ والعذاب، ومنهم من قُتِل بدمٍ باردٍ حتى اقتحموا مدينته، ومنهم من قُتل وهو يصرُخ بوجهِ الطَّاغية مطالبًا بحقوق قوْمه التي استبيحت. ولكنْ يجمعهم حبُّهم لبلدهم، وبذْل أرواحهم في سبيلِ ربهم.
رحلوا، وأنا أنظرُ إلى فلذاتِ أكبادي تتساقطُ واحدةً بعدَ واحدة، فيملأ الحُزنُ قلبي، وصورهم في المسْجدِ تتتابعُ في شريطِ ذكرياتي صورةً بعد صورة، ثم أتذكّرُ ما أعدَّ الله للشهداء ـ أسأل الله أن يجعلهم منهم ـ فأقول عسى أن يكونوا شفعاءَ عند الله لهذا الشيخِ الذي تأخّر عن ركبهم، عسى أن يكونوا عند الله شفعاء لكلِّ من صلّى معهم، أو شاركهم يومًا فرحهم وحزنهم.)).

إنّ من أبرز المحطّات التاريخيّة التي مرّت بها الثورة السوريّة آنذاك داخل مدينة دمشق هي إضراب أغلب تجّار دمشق وأصحاب مهن الصناعة فيها احتجاجًا على القتل الذي أشاعه بشّار الأسد وأعوانه في المسلمين، لم يكن المسلمون يستطيعون الدفاع عن أنفسهم بالسلاح ضدّ من يقتّلهم ويستبيح أعراضهم وممتلكاتهم لأنّ العصابة الحاكمة استطاعت أن تخلّصهم من أيّ قوة بالإرهاب والملاحقة والتعذيب والقتل على مدى عشرات السنين. ولقد كانت للشيخ سارية - رحمه الله - يدًا طولى في إنجاح هذا الإضراب الذي استمر عدة أيام غير متتالية، وسُمّي بإضراب الكرامة أواخر سنة 2011 م ، يعود ذلك للقبول والحظوة التي كانت للشيخ بين فئة التجّار ومعلّمي الحرف والصناعة في دمشق؛ كانوا يحبّونه ويجلّونه ويجعلون لرأيه ومشورته قيمة عالية لديهم.

وقد عُرف عن الشيخ بأنّه واحد من أكثر العلماء الذين كانت أجهزة أمن الدولة والرئاسة تطلب ودّهم وتحسب لرضاهم أو سخطهم ألف حساب؛ لما كانت تعلم أنّه صاحب كلمة بين الناس وصاحب موقف حادّ في الحقّ لا يلين ولا يهون أمام إغراءات الباطل وتهديد الجبناء، وأنّه كان دائمًا متيقّظًا لمكائدهم ومحاولة الالتفاف عليه أو الضغط عليه. حتّى أنّهم عرضوا عليه ذات مرّة أن يموّلوه بالسلاح والمال ليشكّل فصيلًا مسلحًا ثوريًّا باسم: "فصيل: زيد بن ثابت" كنوع من الالتفاف عليه وتوريطه بدماء المسلمين.

 

ولقد قابلَ عددًا كبيرًا من رؤوس النظام الفاجر القاتل، اختيارًا منه في بعض الأحيان وإجبارًا منهم في أغلبها، أراد بلقائهم أن يُلزمهم الحجّة ويأمرهم بكفّ ظلمهم وعدوانهم. وله معهم مواقف كثيرة ألجمهم فيها وألزَمهم الحجّة، وأصابهم من كلامه شواظ فجعلهم كالهبلاء.
من هؤلاء: القاتل ورجل الأمن اللواء عبد الفتاح قدسيّة الحموي رئيس شعبة الأمن العسكريّ. ورئيس الاستخبارات العسكريّة اللواء المجرم رستم غزالة الدرعاويّ. ورجل المخابرات الدمشقيّ الفاسد العقيد حسام سكّر المستشار الأمنيّ الخاصّ ببشّار. ونائب رئيس الجمهورية السورية للشؤون الأمنية اللواء علي مملوك الدمشقيّ وهو المجرم المتعجرف المجنون. ورئيس مكتب الأمن القومي في حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ النافق هشام اختيار الدمشقيّ واللواء محمد ناصيف الحموي النُصيريّ المجرم ونائب الرئيس للشؤون الأمنيّة وهما المواليان للإيرانيين ومشروعهم الفارسيّ. واللواء اللاذقانيّ بهجت سليمان النُصيري المتعصّب الطاغية رئيس الأمن الداخلي في إدارة أمن الدولة. وابن عمّ زوجة حافظ الأسد المجرمة أنيسة مخلوف اللواء المجرم القاتل عدنان مخلوف النصيريّ قائد الحرس الجمهوريّ.

 

وممّن التقى بهم الشيخ: أكثر هؤلاء إجرامًا وقتلًا صهر آل الأسد وأقوى شخصيّة أمنيّة في تاريخ سوريا: العماد آصِف شوكتْ الطرطوسيّ النصيريّ، الذي كان يرسل للشيخ الكثير من الأخبار يطلب فيه أن يلقاه؛ حتّى أنّه انتظره ذات مرّة خارج "صالة الحسن في منطقة الميدان" في الشارع ليؤكّد له بشكل شخصيّ أنّه يريد أن يلقاه في مكتبه برفقة الشيخ أسامة. وللقاء حديث مطوَّل كان فيه آصف شوكت وهشام اختيار في غاية الحذر واللطف مع الشيخين. وقد ذكر الشيخ تفاصيله في مذكّراته.
وكان على رأس هؤلاء المجرمين زعيمهم وطاغيتهم بشّار الأسد، فلقد التقاه الشيخ أكثر من مرّة، وذكر الشيخ تفاصيل لقائه الخاص به في كتابه: (مذكرات في زمن الثورة) وذَكَرَ أنّه تمنّى أمامه أن يحرق كلّ مخافر الشرطة لأنّها تحوّلت إلى مقارّ للعصابات، وحدّثه فيه عن الموظّفين الذي تمّ تسريحهم من وظائف الدولة بسبب التزامهم بدينهم وعن إخراج المعلّمات المنقّبات من مدارسهنّ، وعن مضايقة المعاهد الشرعيّة وعدم الاعتراف بالشهادة التي تصدر عنها للطلاب المتخرّجين، وعن إغلاق "قناة الدعوة" المرئيّة الفضائيّة التي أسّسها الشيخ سارية وأدارها ابنه الأستاذ محمّد عمّار. وذكر الشيخ كذلك خروجه مع أخيه الشيخ أسامة إلى مدينة "درعا" لتهدئة أهلها إبّان انتفاضتهم المشهورة التي أشعلت ثورة الحقّ عام 2011 م بطلب خاصّ من بشّار - وما كان لهما أن يرفضا طلبه - ليظهر بعد ذلك أنّه كان يكسب الوقت وهذا ما كانا يظنّانه.

خطب الشيخ رحمه الله في الناس في أحد أيّام الجمعة متوجّهًا للمتظاهرين في بدايات الثورة بالقول: ((إن كانت المظاهرات ستتحوّل من سلميّة إلى مسلّحة فأقول: إنّ مظاهراتِكم حرامٌ حرامٌ حرامٌ)) فما كان من النظام إلا أن اقتطع من كلامه: (المظاهرات حرام حرام حرام) ووضعها على الشريط الإخباريّ المكتوب على شاشة التلفاز الرسميّ. لكنّ الشيخ اتّصل بالمسؤول الأمنّي للقصر الجمهوريّ حينها وهدّدهم بأنّه سيخرج على الملأ ليكذّب ما نقلوه على لسانه وبأنّه سيفضحهم على شاشات القنوات الفضائيّة في العالم، فقال له: أيرضيكَ أن تُبثَّ خطبتكَ بكاملها على شاشة التلفاز لدينا؟ قال: نعم وفي ذات المساء بثّوا الخطبة خوفًا منه واسترضاءً له.

وقد تحدّث الشيخ سارية عن أحداث (جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي) في دمشق سنة 2011 م (وهو المسجد الذي بناه أهل دمشق من أموالهم في أرض "كفرسوسة" ليكون منارة علم وهداية وتربية تحت إشراف الشيخ أسامة الرفاعي)، وهي أحداث مرّوعة أقدم فيها زبانية بشار الأسد الغلاظ الشداد المارقون القتلة على ضرب الشيخ أسامة الرفاعي على رأسه لحظةَ خروجه من المسجد يريدون قتلَه لا أذيّتة فقط؛ وقد جعل الشيخُ أسامةَ عند خروجه الشبابَ المتظاهرين يحتمونَ به من القَتَلةِ بعد أن هدّدوهم باعتقالهم أو قتلهم لحظة خروجهم، وهذا كلّه كان ليلة السابع والعشرين من رمضان والناس معتكفون في المسجد حيث ردّد بعض المصلّين داخل المسجد شعارات تدعو للحريّة وإسقاط نظام القاتل بشّار الأسد، وارتقى إثر تلك الأحداث عدد من الشهداء من أبناء سوريا وزُجّ بعضهم الآخر في السجون ليموتوا تحت التعذيب ويصير بعضهم الآخر إلى مصير مجهول؛ التقطوهم من خارج المسجد المحاصر ومن داخله حينما دخلوه بأحذيتهم القذرة العفنة ليدنّسوا حرمته الشريفة.
تحدّث يومها الشيخ سارية فقال: ((لا شكّ أن جامع الرفاعي وطلاب الشيخ عبد الكريم الرفاعي في كلّ جوامع زيد لا ينخدعون بصلاة بشار الأسد مرّتين في هذا المسجد الذي قال له خطيبه الشيخ أسامة الرفاعي على المنبر يومها: لعلّي لا أجيد المدح لكنّني أجيد النصح...
وهذا ما كان عليه كلّ طلاب الشيخ عبد الكريم رحمه الله. أمّا ما حدث في مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي فقد تجمّع الناس في ليلة القدر من أجل إحيائها بالعبادة والذكر وعندما أراد المعتكفون العودة إلى منازلهم من أجل السحور فوجئوا بأعداد لا تحصى من الشبّيحة (من يتمّ تجنيدهم بالمال في سبيل القتل والضرب والاعتقال) ورجال المخابرات يحاصرون المسجد ويريدون اعتقال الناس أو ضربهم، وعندها اتّصل الشيخ أسامة ببعض الضبّاط من أجل فكّ الحصار عن المسجد، فأظهروا الموافقة وسحبوا العناصر المحاصرة للمسجد، فخرج الشيخ وخمسة من طلابه من أجل أن يتأكّدوا من مغادرة الشبّيحة للمكان. ولمّا ابتعد قليلًا عن المسجد انهال عليه الشبّيحة ضربًا بالهراوات على رأسه (وهي عصا ضخمة ذات رأس مدبّبّ تكون مصنوعة من الخشب الثقيل المتين وتحتوي على قِطَعٍ من الحديد)، ولمّا ظنوا أنه قد فارق الحياة تركوه على جانب الطريق، وهجموا على المسجد فعاثوا فيه فسادًا وإيذاءً ومزقوا المصاحف حتّى أنّ أحدهم وقف على سُدّة المسجد العليا وتبوّل على الناس في أسفل المسجد. وضُرب كثير من الناس وقُتل ثلاثة أشخاص وجُرح ستمائة شخص واعتُقل قرابة 66 شخصًا، وقيّض الله للشيخ أسامة رجلًا حمله بسيّارته وأسعفه للمشفى حيث كتب الله له النجاة. ثم جاءت رواية النظام السخيف بأنّ المصلّين ضربوا شيخهم وعرّضوه للموت لأنّه أخذ حصّتين من السحور (عادة في مساجد الشام حيث توزّع وجبات السحور على المُحيين لليلة القدر). ثم جاء الشيخ البوطي برواية أخرى بأنّ طلاب الشيخ ضربوه من أجل أن يستثيروا الجمهور ضدّ النظام.)).

فأراد الشيخ سارية بكلامه هذا وكان ما زال في دمشق أن يشهد بالحقّ فلا تضيع الحقيقة، ومّما لم يذكره الشيخ بأنّ هؤلاء السفهاء داسوا وألقوا المصاحف في الأرض وأهانوا كتاب الله تعالى. - فالحمد لله القويّ العزيز الذي أذلّ بشّار وأعوانه وأذنابه نصرة لكتابه - .

ومّما لا يعرفه أكثر الناس أنّ تجّار دمشق وريفها عرضوا على الشيخ سارية قبل صباح هذه الليلة، أن يعلنوا فيما بينهم إضرابًا عامًّا تضامنًا مع الشيخ أسامة الرفاعي، وأن يدعو الشيخ سارية لهذا الإضراب ويدعمه كما فعلَ بعد مجزرة الحولة حيث دعا للإضراب الشامل وكان ما دعا إليه. فرفض حينها الشيخ سارية كي لا يظنّ الناس أنّه يريد الانتصار لأخيه ولجامع والده، وكي لا يعطي النظام الفاشيّ فرصة لتقليب الناس على الشيخين وإيهام الناس أنهما يريدان أن ينتقما لنفسيهما أو لإخوانهما وجماعتهما.



كانت للشيخ سارية رحلة إلى شمال سوريا التقى في حلب بنخبة من الثوّار وأهل العلم وأهل الجاه، وكذلك اجتمع بعموم الناس وسعى فيهم نصحًا وتثبيتًا. منهم رئيس المجلس العسكري وهو ممّن قاد عدّة فصائل عسكريّة ثوريّة المجاهد العقيد عبد الجبّار العكيدي، والقائدَ المجاهد الشهيد عبد القادر الصالح المارعيّ الحلبيّ المعروف بحجّي مارع (1979 - 2013 م) وكان ذلك في أواخر عام 2012 م.

حدّثنا رحمه الله أنّ ممّا قاله له ولمن معه من القادة: ((ليسَ انتصارُنا بالقوَّةِ والعَتاد؛ وإنما بذنوب أعدائنا، وبطاعتنا لربِّنا. فإذا تساوينا وإياهم بالذنب والطاعة كانت الغلبة لمَن يملك السلاحَ أكثر ولمَن عَتادُه أكبر.)). واشتهرت حينها زيارته للسجن المركزيّ في حلب بعد تحريرها من عصابات القاتل بشّار الأسد، حيث التقى في زيارته تلك بعدد من السجناء المتّهمين بمختلف الجرائم والتعرض للمدنيّين، فأظهر لهم منه - رضي الله عنه - التعاطف والطمأنينة وخفّف عنهم ما كانوا يشعرون به من هواجس وقلق ودعا لهم بالمغفرة والعفو. وزار مركز الاستشفاء في حلب... وكانت حينها لتلك الزيارة أثر كبير عليهم جعلت منها سنّة حسنة التقفها كثير من قادة الجيش الحرّ والفصائل المجاهدة.

وقد تحدّث في كتيّبه عن ذكرياته التي عاشها بعد اشتعال الثورة السورية في سوريا عام 2011 م فأرّخ رحمه الله لمواقفة التي واجهه فيها الظالمين وأعوانهم من المسؤولين والعلماء التابعين لهم والناطقين بما أرادوه، أسمى ذلك الكتيّب: (مذكّرات في زمن الثورة) ولم يُكتب له أن يُخرِجَ إلا جزءًا واحدًا منه سنة 2020 م .

مرّةَ دار حديثٌ بين الشيخ - رحمه الله تعالى - وأحد الحضور الدبلوماسيين الإيرانيين على هامش مؤتمر "الصحوةُ العَربيةُ والسلام في الشرقِ الأوّسط" الذي أقيم سنة 2012 م في مدينة استانبول، وقد كانت "الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية" حينها تحتل أجزاء من سوريا وتدعم نظام القاتل بشّار الأسد ضد أهل الإسلام وأهل سوريا عامّة، حيثُ وَجّه هذا الدبلوماسيّ الإيرانيّ الصفويّ المجوسيّ سؤالًا لفضيلةِ الشيخ عن رأيهِ بكيفيّةِ حقنْ الدماء وحلّ الأزمة - كما كانوا يشيرون إلى هذه الثورة المباركة - ، فأجابه الشيخ: ((إنَّ الحل المباشر بيد إيران؛ حيثُ أنها الدّاعم الرئيسي والموَجّه الأساسي لنظام الأسد في سوريا.!)) ثُم قال له - متّهمًا - : ((إنَّ إيران "شَريكُة النظام" في القَتلِ وسفكِ دِماءْ الشعبُ السوريِّ، فضلًا عن سقوط الدولةِ الإيرانية من أعُينِ العالمِ العربيّ والإسلاميّ ولا سيما الشعبُ السوريّ .! وإنّهُ يَتوجبُ عليكم المُبادرةَ إلى الحَلّ الفوريّ بالتَخَلّي عن نظام الأسد والتأثير عليه بوقفِ سفكِ الدماء لأنَّ رهانكُم "لا شك" على بقاء حُكُم الأسد في سورية رهانٌ خاسرٌ إِنّ لَم يكنّ مستحيلًا؛ وذلكَ حسبَ تطورات الأحداث "سياسيًا وعسكريًا". وأضافَ فضيلةُ الشيخ مُؤكِّدًا أنَّ البَشَرَ والحَجَرَ لفظَ هذا النِّظام ولم يَبقَ له سبَيِلٌ على الشَعبِ السّوري.)). كان هذا الموقف من الشيخ يندر أن يوجّهه أحدٌ إلى الإيرانيّين بهذا الوضوح وأمام جمهرة كبيرة من السياسيين والعلماء وبوجود أجهزة مخابرات الدول التي تراقب مواقف العلماء عن كَثَب.

وقد أصدر - رضي الله عنه - حينها بيانًا بعد أن أشاعَ نظام القتل والتدمير "نظام بشّار الأسد" بين الناس والدول الأخرى أنّ الثورة السوريّة هي تحرّك من أهل السنّة والجماعة في سوريا قامت لتقتل وتُفني أهل الديانات والمعتقدات الأخرى (التي يصطلح عليها الآن: الطوائف الأقليّة) كالنُصيريّة والمسيحيّة والدروز وغيرهم... فوجّه دعوات في منشور أصدره في رمضان من سنة 2012 م دعا فيه ضبّاط "الجيش العربيّ السوريّ" الشرفاء منهم إلى الإسراع بالانشقاق عن العصابة الأسديّة، والالتحاق بصفوف الجيش الحرّ لينصروا الحق أولًا ولينجوا بأنفسهم ثانيًا قبل فوات الأوان. ودعا شيخَ النصيريّة إلى إعلان تخلّي طائفته عن هذا النظام وتَبرّئِها من أعمال القتل واستنكارها لكلّ ما يحدث وإعلانِ وقوفها إلى جانب باقي فئات الشعب الثائر. ثمّ خاطب شيوخ ووجهاء الطائفة النصيريّة بشكل خاص إلى القيام بمسؤولياتهم وعدم الاكتفاء بالبيانات والاستنكارات بل دعاهم للمشاركةِ العملية والوقوفِ في صفّ الشعب وأنّ عليهم تحذير أبناء طائفتهم من الولوغ في دم الشعب السوري خوفًا من العواقب الوخيمة التي لا يستطيع حينها أحدٌ من العلماء أو الحكماء الوقوفَ في وجهها. - أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا لكن لا حياةَ لمن تنادي - .

تركت مجازر الصواريخ الكيماويّة (وهي ذخائر تحمل مواد كيماويّة تُستخدم للتسبّب بالموت أو إلحاق الأذى المتعَمّد من خلال خصائصها السمّية) التي ارتكبها الفاجر القاتل الكافر بشّار الأسد في الغوطة الشرقيّة المحيطة بمدينة دمشق والمجازر الكبرى كمجزرة مدينة داريّا (وهي أكبر مدينة في غوطة دمشق الغربيّة) ومعضميّة الشام ودوما والقابون وحماة وحمص والبياضة وفي أغلب بقاع الشام، تركت كلّ هذه المجازر وغيرها من القتل والتدمير والنزوح وفقد الأحبّة في قلب وعقل الشيخ سارية حزنًا وألمًا كبيرًا. فكان ممّا كتبه - رضي الله عنه - في سنة 2013 م إثرّ أكبر مجزرة بفعل الصواريخ الكيماويّة في الغوطة الشرقيّة:
((تقاطروا إليها فوجًا إثر فوج، مندفعين إليها تدافع الملائكة في ليلة القدر، ناموا كما تنام فراخ الطيور، فاختارهم القدر ليكونوا من أهل السماء، فتحت لهم أبوابها مهلّلة، معطّرين بالمسك والعنبر دخلوا أبوابها، في أعلى الجنان كان الجزاء، ويتخذ منكم شهداء.
كادت فاجعة الأمس أن تأتي على ما بقي للشرفاء من عقل؛ فمجزرة الصواريخ الكيميائية التي راح ضحيتها أكثر من ألفين وثلاثمائة شهيد جلّهم من الأطفال، يصغر أمامها إجرام المغول والتتر والفراعنة وكل من جعلهم التاريخ رمزًا قاتمًا للقتل والخراب.
أطفال في عمر الورود يصطفون للموت أفواجًا، شباب يترنحون خَنَقَهم الدخان الآثم، عجائز لم يراع البغي الإيرانيّ الروسيّ لهم حرمة، موتٌ بخلَ عليهم حتى أن يضرّجهم بدمائهم !!
لقد ظنّوا أن الموت بمجزرتهم سيكسر من عزائم المجاهدين أو يثنيهم. ظنّوا أنهم عندما يرون كل هذه الجثث ستنهار قواهم، ويهرعوا إليهم مستسلمين، ولكن ما دروا أنهم يقاتلون قومًا خرجوا من أجل الموت في سبيل الله.
في أحاديثه العظيمة لم يتمنى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا كما تمنى الشهادة في سبيل الله، فقد جاء في الحديث الصحيح: « وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي ».
إنّ الموت عندنا ليس هزيمة ولا خذلانًا ولكنه وجه آخر للنصر الموعود. « قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ ... » ؟ .
فإذا كان النظام المجرم وجنوده يسخرون ويرقصون على جثث الشهداء الذين ودعوا فإنّا قوم ما خرجنا إلا من أجل الشهادة، وإن كانوا ببغيهم يعتقدون أنهم سيكسرون العزيمة بتلك الأسلحة فإنّ لنا والله عزائم كالجبال الراسيات.
بالأمس ذهبنا لتعزية والد شهيدٍ أبناؤه كلهم في جبهة القتال. دخلنا إليه معزّين فقال لنا: من أراد أن يعزّيني فهذا الباب من ورائه. لقد فرحت في محطات كثيرة لَقِيَها بنيّ في حياته، لكنّ فرحتي اليوم لا تعدلها فرحة. أردت أن أزوّجه وعَقَدَ النيّة من أكثر من عدّة شهور، لكنّ الله تعالى أبى أن تكون عروسه من الدنيا الفانية.
إنّنا أمّة نحب الموت كما يحب "الأسد وأعوانه" الحياة. فلتجابهوا قومًا غايتهم هي الموت في سبيل الله.)).

وله رحمه الله الكثير من المقالات التي عالج فيها أغلب الجوانب الشرعيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بالثورة، وتمّ نشرها وتداولها بشكل كبير، كانت جوابًا لكثير من التساؤلات وشفاءً لكثير من الشكوك التي وقع فيها أبناء سوريا بعد قيام الثورة ضد بشار الأسد وأعوانه.

 

مواقف لمجابهته - رضي الله عنه - لعلماء السلطان ومناصري الظلمة والمجرمين في عصره:

حينما دعا شيخ الشام المجاهد العلامة حسن حبنّكة الشهير الميداني الدمشقي الشافعي (1908- 1978 م) أهل سوريا إلى الاعتصام في الجامع الأموي الكبير بدمشق سنة 1965 م إثر فتنة الدستور السوري الذي وُضع بعد الاستقلال من الاحتلال الفرنسيّ؛ وهي حوادث معروفة في كتب التاريخ، لبّى الشيخ سارية نداء شيخه وكان مع المعتصمين داخل المسجد، فداهمت القوات المسلّحة المسجد بالعتاد الكامل والدبّابات العسكريّة وقتلت واعتقلت واعتدت على المتظاهرين المعتصمين فيه وكان بينهم الشيخ سارية، ساقوهم إلى سجن المِزّة (وإليها يُنسَب الحافظ المِزّيّ) المشرف على دمشق، يومها وقف الضابط مدير السجن قائلًا لهم: انظروا إلى هذه المآذن سوف لن تجدوا في الوقت القريب أي مسجد. وكان ذلك كلّه في خضّم استيلاء الكفرة والمتغرّبين من الأحزاب العميلة للغرب الصليبيّ والأقليّات المتعاونة معه، وعلى رأسهم "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ".
سمعنا تلك الواقعة من الشيخ مرارًا، مدلّلًا بها على مشروع الغرب الصليبيّ لإنهاء الإسلام في بلاد الشام وغيرها.

 

وفي مرَّة أُخرى أتى إلى الشيخ في المسجد عنصرُ أمن، ودنا منه يهمِسُ في أذنه بأمر، وإذا بالشيخ ينتفض غضبًا ويصرخ في وجهه: أنت مجنون؟! أنت مجنون؟! ماذا تريد الناس أن يقولوا عنَّا وعنكم؟! المخابرات شغَّلت المشايخ مخبرين على المصلِّين؟! كيف تطلب هذا الطلب؟! أكيد معلِّمك لا درايةَ له بهذا، فلا يطلبُ هذا رجلٌ عاقل!

وانقلب حالُ الرجل واضطرب، وتمنَّى لو أن الأرض بلعَته، وقام يعتذر، ومضى في سبيله على عجَل.

وأخبرَ الشيخُ بعد خروجه، أنه طلب إليه أسماءَ المصلِّين الملتزمين بالصلوات في المسجد، فردَّ عليه بما رأينا وسمعنا من عُنف وحدَّة، اقتضاهما المقام.

 


بعد أن نهض أهل سوريا في وجه من يحارب دينهم ويظلمهم ويقتلهم سنة 2011 م استخدم نظام بشار الأسد بعض علماء سوريا لثني العلماء الذين وقفوا في وجه ظلمه وجبروته، فكان منهم مفتي سوريا (وهو منصب رسميّ كان يتدخّل في تعيينه نظام الأسد وأبيه منذ اغتصابه السلطة): الخسيس اللئيم أحمد بدر الدين حسّون الحلبيّ (ابن الشيخ الصالح: محمّد أديب الياقدي الشافعيّ (1913 - 2008 م))، فذات مرّة تجرّأ على الشيخ سارية وطالبه أن يكفّ لسانه عن النظام ويصمت مدّعيًا أنه يطلب ذلك منه خوفًا عليه. فأجابه الشيخ وقد تجهّم وجهه غضبًا لله تعالى: ((نحن لا نخاف إلا من الله عزّ وجل، ولا أظنّ أن هناك ذرّة من ضمير عند خطيب من الخطباء في سوريا يصعد على المنبر وهو يعلم ما يحصل من سفك للدماء وهتاك للأعراض ثمّ يسكتَ عما يعلم.)).

 

ولمَّا أخفق آصف شوكت وغيرُه من المسؤولين إبّان الثورة المباركة، أرسلوا إليه عديلَه المنافق الهارب حسام الدين الفُرفور يحاول معه!

قال له فرفور: يا شيخ سارية، ما لَكَ وللخوض في معارضة النظام؟ ليس مطلوبًا منك سوى الصمت، وأنا كفيلٌ ألا يقتربَ أحدٌ بسوء من أسرتك ومسجدك وطلَّابك!

فأجابه الشيخ مستنكرًا: وأيُّ خير لي أن أكون في سلامة، وأهلُ بلدي يُقتَلون ويُعتقَلون ويُقهَرون ظلمًا وعدوانًا؟! ورفض رفضًا تامًّا أن يبيعَ دينه ومروءته بعَرَض من الدنيا قليل.



وقف الشيخ سارية موقفًا حازمًا من الفتنة التي افتعلها الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطيّ الكرديّ - رحمه الله - (1929 - 2013 م) ابن الربّاني العلامة ملّا رمضان الفقيه المعمّر (1888 - 1990 م) حين وقف من الثورة السورية موقفًا يؤيّد فيه ما نحى له بشار وأعوانه، ومهاجمًا عموم المسلمين والشعب السوريّ الذي ثار على هذا النظام. فكان رأي الشيخ فيه حين سُئل عنه بعد أن قتله النظام وهو يلقي درسه داخل مسجد الإيمان في دمشق أن قال:

((فإننا نحبُّ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، وعلاقتنا به ليست علاقة عاديّة، بل هي علاقة وطيدة لعقود، وإننّا كنّا نحترم جميع طلابه ومريديه، بل إنّنا كنّا حريصين عليه أكثر من حرص أولاده وكثيرٍ من طلابه الذين كانوا يوصلون إليه الصورة المشوّهة، فعندما خرج الناس مطالبين بالحرية ومطالبين بأن يكفّ النظام المجرم عن قتل الأطفال والنساء قال له طلابّه: إنهم عصابات مسلّحة، واستطاع طلّابه - هداهم الله - أن يبعدوه عن جادّة الصواب، وأن يجعلوه في صفّ النظام المجرم، ضدّ الشعب الذي يجب أن ينحاز إلى صفه العلماء في كل مكان وفي كل زمان. فأصبح وإلى الله المشتكى - كما قلنا بسبب طلّابه ودائرته الضيّقة - لسانًا ناطقًا باسم النظام؛ فتارة يشبّه الجيش السوري (الذي يقتل الأبرياء، ويدنّس المصاحف، ويمنع لأكثر من أربعين عامًا الصلاة في الجيش، وأنتم خصوصًا يا أهل دمشق يا من خدمتم في ذاك الجيش شاهدون على خسّة الجيش ودناءته) يشبِّه الجيشَ بالصحابة - رضوان الله عليهم - . وجعل روسيا والصين وريثتين لرابطة التعاون الإسلامي (وهي منظمّة إسلاميّة دوليّة تجمع سبعًا وخمسين دولةً إسلامية، وتصف نفسها بأنها الصوت الجماعي للعالم الإسلامي، وأنها تهدف لحماية المصالح الحيوية للمسلمين) ، وهما اللتان تحاربان الإسلام أينما وجد. فهل أصبحت روسيا التي حاربت السنّة في أفغانستان والشيشان وارتكبت أفظع المجازر في البوسنة والهرسك وريثةً لرابطة التعاون الإسلامي؟! وهل أصبحت الصين التي تمنع إخواننا "الإيغور" في شرق تركستان من الحجاب ومن الصلاة، وتحارب الدعاة المسلمين في الصين مدافعة عن الإسلام؟!
اللهم اهدنا إلى سواء الصراط.
إن ذاك النظام الذي ضلّل طلاب الشيخ - رحمه الله - ، وأغراهم، ليضلّلوا الشيخ نفسه، هو نفسه قد اتّهم الشيخ رحمه الله تعالى (بالخَرَف) عندما حارب - رحمه الله - "مسلسل: ما ملكت أيمانكم" (وهي فتنة معروفة وقف فيها علماء الشام ضد عرض حلقات مسلسلة على شاشات التلفاز لعمل مصوَّر يشوِّه صورة الإسلام والعلماء والدعاة والداعيات)، ولقد وقفنا يومها وراء الشيخ محمد سعيد، وجاء إلى "مسجد زيد بن ثابت" وتكلّم عن المسلسل، وقلنا له عندما كان يومها على الحقّ: سر ونحن من ورائك.
نعم: إننّا - بإذن الله - وراء الحق أينما كان. ليست لنا عداوة مع الشيخ - رحمه الله - ، بل إنّنا ندعو له حتّى هذه اللحظة أن يكون الله قد قبله شهيدًا؛ لأنّ النظام هو الذي قتله بعد أن انتهت مهمّته التي أُنيطت به. ولكنّنا لا نقبل أن نكون شيطانًا أخرسًا؛ يسكت والناس تُقتل وتُذبح وتُغتصب. 
نسأل الله أن يهدينا إلى سواء الصراط … ))

 


 

جهوده في رفع الفقر وإغاثة المكروبين

من أعماله وجهوده التي بذلها في تفريج كرب الخلق وإعانتهم والتخفيف عنهم ممّا أصابهم من الفقر والجوع والتشرّد والمرض وغيره من مصائب الحياة الدنيا:
إنّ مشروع: "حفظ النعمة" هو درّة مشاريع الشيخ سارية في سوريا قبل ثورة 2011 م وضع فيه الشيخ كلّ ما لديه من علاقات وخبرة ورأي ليخرج هذا الصرح الكبير العظيم ويصير حديث الناس في سوريا وعند أهل الرأي حول العالم. تقوم فكرته على جمع بقايا طعام الولائم (الصالحة للأكل) ثم إعادة تهيئتها وتغليفها بشكل مناسب ليتم توزيعها للفقراء والمحتاجين (وخاصّة الأيتام منهم) بطريقة تحفظ كرامتهم وتطعم جائعهم. في عام 2003 م تطوّرت الفكرة نفسها لتشمل الدواء؛ مع الدقة في الالتزام بشروط أخذ الدواء الصالح وشروط تخزينه، وعدم توزيعه للفقراء إلا بوصفات وبإشراف علماء صيادلة. ثمّ اشتمل المشروع على العناية بالثياب والكساء ثمّ للأثاث وألبسة الأعراس. وغير ذلك...

ولقد كان الشيخ يريد من هذا المشروع أن يوصل المساعدة للفقير وأم الأيتام وغيرهم من المحتاجين مع المحافظة على عزّة نفسهم، فكانت تدخل أمّ الأيتام مثلًا إلى مقرّ الجمعيّة فتتسوّق من البضائع المعروضة كما لو أنّها تتسوّق في أفضل مجمّعات بيع الألبسة والحاجيّات، ثم تُظهر البطاقةَ التي أُعطيت لها مسبقًا للموظّف لتكون البطاقة بمثابة ثمن لهذه البضاعة.
وفي عام 2008 م وصلت ميزانيّة المشروع إلى ما تزيد قيمته عن / 600 مليون / ليرة سوريّة. حتّى كان من أثر هذا المشروع "موائد الرحمن في الجامع بني أميّة الكبير بدمشق" حيث كان يقدّم طعام الإفطار لمن في صحن الجامع من آلاف السوريين وذلك طيلة شهر رمضان المبارك.
وعندما أحسّ زبانية الطاغية أنّ المشروع قد يشكّل خطرًا على أمن كراسيّهم، وأنّه سيُنقص من المال الذي يسرقونه من تبرعات أهل الخير أَوعزوا لوزير الأوقاف (وهو منصب حكوميّ مسؤول عن كلّ ما هو وقف وعن الخدمات المتعلّقة بالدين والمساجد وغير ذلك) الجبان محمّد بن عبد الستّار السيّد الطرطوسيّ، أوعزوا إليه بكتاب من مكتب الأمن القوميّ بإبعاد الشيخ سارية عن مشروعه هذا، وإغلاق ومصادرة كلّ معدّات "قناة الدعوة" وهي قناة تلفزة أنشأها الشيخ لتكون منارة خير ودعوة للمسلمين في كلّ مكان يصل بثّها إليه، وكانت تجمع في برامجها جُلّ شيوخ جماعات ومدارس الدعوة من كافّة المحافظات السوريّة.

 


ممّا آلام الشيخ رحمه الله ما سمعه من أحوال المسلمين في مخيّم الزعتري في المملكة الأردنيّة الهاشمية الذي كان يضمّ اللاجئين السوريّين الذي هربوا من ظلم وبطش بشار الأسد وعصاباته المجرمة؛ وشاء الله أن يعيشوا في ظروف صحراويّة قاسية دون أدنى مقوّمات الحياة الكريمة للإنسان. فهرع مع ثلّة من العلماء والدعاة من الأردن، ومن سوريا والمتمثّلين بأعضاء رابطة علماء الشام (وقد كانت هذه الرابطة أبرز رابطة جمعت علماء وأئمة أهل السنة والجماعة في سوريا عام 1945 م برئاسة الشيخ الصالح محمد بن محمد بن حسين المشهور بأبي الخير المَيدانيّ الدمشقيّ (1875 - 1961 م) وبقيت حتّى اغتصب حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في سوريا الحُكم، ثمّ أحياها علماء سوريا الذين خرجوا من سوريا سنة 2012 م )، كأخيه فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي (رئيس الرابطة)، والربّاني الواعظ المؤثّر الدكتور محمد راتب النابلسي الدمشقيّ، والشيخ فارس المنابر والأديب جمال السيروان، والخطيب الألمعيّ الشيخ نور الدين قره علي (وهما من طلاب الشيخ عبد الكريم الرفاعي)، والشيخ الداعية الدكتور محمد أبو الخير شكري، - حفظهم الله تعالى أجمعين - والشيخ الصالح ممدوح محمد جنيد كعكة الحمصيّ رحمه الله تعالى (1940 - 2023 م)، هرعوا جميعًا إلى معاينة حال المخيّم، وزاروه ثلاث مرات متتابعة، فتحركت قلوبهم بالحزن والأسى على هذا الحال ليوجّه الشيخ سارية مؤسسةَ "سيدّنا زيد بن ثابت" - رضي الله عنه - بتنفيذ مشروع قام فيه باستبدال مئات الخيم المهترئة ببيوت مصنوعة مسبقًا من مواد تمنع حرارة الصحراء الشديدة وتحمي من رملها ورياحها القاسية وأمطارها الغزيرة، ليستفيد من ذلك آلاف المسلمين ممّن كانوا في المخيّم. وكان ذلك في سنة 2013 م . ليعود فيُكمل هذا المشروع في مخيّمات اللجوء شمال سوريا سنة 2022 م عندما تعالت أصوات الاستنجاد وطلب العون من ساكني تلك المخيّمات التي لم تعد خيامها تقيهم من برد ولا تحميهم من أمطار أو ثلوج ولا تمنع عنهم أعاصير الصيف أو الشتاء، فقامت ذات المؤسّسة باستبدال أكثر من 300 خيمة ببيوت على النمط السائد في هذا العصر من مادَتي الإسمنت والحديد تضمن لساكنيها أقلّ الحياة الكريمة؛ فأصبح هذا المشروع قدوة لكثير من المشاريع التي لحقته، وما زال قائمًا إلى وقت كتابة هذه الصحيفة.

وليس هذا بغريب فالشيخ - رحمه الله - كان دائمًا ما يبدأ السنّة الحسنة فيسنّها وينجح فيها نجاحًا يجعل أهل الخير في كلّ بقاع الأرض يستنون بها، فانظر أيّها القارئ إلى ما سيكون في صحيفة الشيخ سارية من الأجر والثواب الغير منقطع إلى يوم القيامة إن شاء الله، واحرص على أن تحذو حذوه في هذا الأمر.



وكان منه - رحمه الله - أن تألّم ألمًا شديدًا بعد ما نزل بأهل "مخيّم اليرموك" المجاور لمدينة دمشق سنة 2014 م بعد أن حاصرت المخيّمَ قوّات المجرم بشّار الأسد ومعهم الاحتلال الإيرانيّ والروسيّ الغاشمان (وأغلبهم ممّن نزح من أهل فلسطين سنة 1948 م وما بعدها إلى أطراف دمشق إثر هجوم برابرة هذا العصر اليهود أعداء الله وأنبيائه) ووقعت فيهم مجاعة عظيمة أكلوا فيها أوراق الأشجار وطبخوا الحجارة ولحوم القطط والحشائش، وزاد على تلك المجاعة أن كان القتلة المجرمون يقصفون الناس بالبراميل والصواريخ المتفجّرة؛ فوقعت فيهم مقتلة عظيمة، حينها كتب رحمه الله تعالى قائلًا:
((والله لقد أدْمت عيني هذه الصُّور التي رأيتها وقد وصلتني من مخيَّم اليرموك الصامد في شامنا الحبيبة؛ مخيَّمُ اليرموك الذي كان سوقًا مفتوحة لا تُغلقُ حتى الصباح، بطعامه وشرابه ولباسه غدا اليومَ (شِعبًا) يحاصرُ فيه الناسُ؛ يجوّعون، ويقصفون بالموت والدَّمار. احرمْ نفسكَ أخي المسلم في كل بقاع الأرض من طيب الطَّعام يومًا، قاوم ولو مرَّة شهوة بطْنك للأكل في المطاعم أو النوم في الفنادق، اقتطع ولو مرَّة في حياتك نصف مرتّبك وأرسله إلى هذه البطون الجائعة وهذه الأمهاتِ المسكينة، فصدِّقني دعواتهم لك ستطرق السماء بإذن الله من أوسع أبوابها.)). وقد ساهمت مؤسسة زيد بن ثابت في إغاثتهم أثناء الحصار بما استطاعت أن توصله إليهم.

 


وهنا لا بدّ أن أذكر "مؤسّسة زيد بن ثابت الأهليّة" وما ساهمت به خلال سنوات الثورة وبعد التحرير، فهي واحدة من أكبر المؤسّسات التي أنشأها وأدارها الشيخ مع طلابه وأحبابه منذ عام 2012 م في مصر ثمّ كان مقرّها في مدنية استانبول. وكثيرًا ما كان يذكر الشيخ رحمه الله بعد أن أخرجته الطغمة الفاجرة من سوريا وحرمته من وجوده في مسجد زيد بن ثابت في دمشق؛ كثيرًا ما كان يذكر خروجه فيحمد الله أن عوّضه بهذه المؤسّسة التي وسّعت جهود دعوته ونقلته من أحياء دمشق وريفها إلى أغلب مدن سوريا وإلى كلّ دول العالم، وأن كان هذا الخروج فتحًا من الله له وجبرًا لخاطره كي لا يأسى على ما قد أصاب دعوته (مع أنّ للشيخ أعمالًا في كلّ مكان لم ينقطع أجرها خلال غربته وإلى اليوم).

 

قامت مؤسّسة زيد بالمساهمة في مجالات كثيرة من إغاثة الملهوفين والفقراء والمساكين والمنكوبين والنازحين واللاجئين، وكفالة الأيتام والإحسان إليهم، وجبر خاطر المكسورة قلوبهم. هذه المساهمات جميعها كانت داعمة وخادمة للدعوة والإرشاد والتوجيه والتزكية وللتعليم والتوعية؛ والتي كانت على شكل مشاريع احتوت مراكز ومعاهد ومدارس وأعمالًا دعوية في بيوت الله. وقد ذاع صيتها وعمّ نفعها وكانت ملاذًا للمحتاجين ولأهل الإحسان والبذل.
تقدّمُ المؤسسة إلى يومنا هذا خدماتها لأكثر من 37 ألف طالب علم، حفظَ منهم أكثرُ من 400 طالب كتاب الله تعالى بالإتقان المعروف والمشهود لحفاظ جامع زيد بن ثابت، كلّ هؤلاء الطلاب يتلقّون العلوم الشرعيّة والكونيّة مع التزكية والتوجيه داخل أكثر من 65 مركزًا في قرابة 50 منطقة داخل سوريا وتركيا. واستفاد أكثر من 800 ألف شخص من خدماتها الإغاثيّة منهم أكثر من 3500 يتيمًا.
تعمل المؤسّسة مؤخّرًا على إغاثة أهل غزّة في فلسطين وهم المُحاصرون المستضعفون القابعون تحت قصف الطائرات والراجمات وقد استطاعت أن تطعم وتسقي وتغيث 113 ألف مسلم فيها لمرّة واحدة على الأقلّ. نصرَ الله المجاهدين فيها وأعزّهم وكتب لهم التمكين وتحرير المسجد الأقصى بعونه تعالى.


 


أمثلة عن جهوده رضي الله عنه في مجال الدعوة إلى الله تعالى والتربية:

إنّ حال الشيخ سارية مع العبادة والذكر والصلة بالله تعالى هو ما جعل له القبول بين الناس، والأمثلة التي يعرفها أبناؤه وخاصّة أحبابه كثيرة، واستعراضها هنا يطول، منها: أنه كان يقتدي بسيّدنا بلال الحبشي رضي الله عنه لما ورد عنه أنّه كان لا يُحدث إلا ويتوضّأ ولا يتوضّأ إلا ويصلّي ركعتين، وبقي على ذلك حتى خلال مرضه الشديد مع المشقّة. ولم يُعرف عنه كذلك أنه ترك صلاة الفجر في المسجد في أغلب أيّام حياته وخاصّة في المدينة المنوّرة وفي دمشق.


في رحلته - رحمه الله تعالى - إلى شمال سوريا وقد كان الشمال محرّرًا وتحت إمرة الثوّار وأهل تلك المناطق آنذاك، آثر - رضي الله عنه - أن يقوم الليل ذكرًا وتسبيحًا وطاعة لله في أواخر رمضان من سنة 2012 م - مظنّة موافقتها لليلة القدر - لا في بيته وبين إخوانه وأهله في استانبول بل في خيام أهله وإخوانه المسلمين في قرية كلّس على الحدود التركيّة السوريّة أثناء عودته، فكانت ليلة مشهودة حضرها كبار أهل العلم المشهود لهم بالصلاح كالشيخ الربّاني الصالح محمد عدنان فهمي السقّا الحمصيّ (1942 - 2021 م) والشيخ الصالح الحمصيّ ممدوح جنيد كعكة رحمها الله تعالى والشيخ العلامة أسامة الرفاعي والداعية الدكتور محمد راتب النابلسي والشيخ الأديب محمد جمال السيروان والشيخ الوزير محمد أبو الخير شكري حفظهم الله تعالى والمحامي المناضل هيثم المالح الدمشقيّ الملقّب بشيخ الحقوقيّين في سوريا، مع جميع أهل المخيّم في تلك السنة وهم جمع كثير آنذاك. وحدثت فيها من التجليّات ما شهد به من حضر تلك الليلة المباركة، ومن بركة تلك الليلة أن نُقلت أحداثها مباشرة على أثير الهواء عبر قناة التلفزة: "الجزيرة مباشر" فعمّ نفعها.

ولقد كان للشيخ سارية اعتناء خاصّ بالشباب وهذا هو ديدن والده الشيخ عبد الكريم وبه تميّز في دعوته حيث كان يقول (إن أردتم أن تنجحوا في دعوتكم فتواضعوا للشباب). وقد زار الشيخ سارية مرّة طلاب إحدى المدارس التي أشرفت عليها مؤسسته (زيد بن ثابت "الأهليّة") حثّهم فيها على التميّز والثبات حتى ينهضوا بأمّتهم ويخرجوها ممّا هي فيه: وممّا قاله حينها:
((لا تستخّفوا بطاقاتكم وقدراتكم .. أنا جاهز لأكون منضويًا تحت قيادة المميّز منكم كما انضوى الصحابة الكرام تحت قيادة أسامة بن زيد رضي الله عنهم و هو ابن سبعة عشر عامًا ..((

ومن اهتمامه البالغ بالشباب واليافعين أن شارك مرّة خطبة عيد الفطر المبارك مع أحد الفتية الصغار (أظنّه عاصم وهو ابن الدكتور يحيى الغوثاني الحافظ المتقن) على منبر مسجد زيد بن ثابت - رضي الله عنه - (وقد كان للمسجد منبران اثنان)، وذلك عام 2006 م، فارتقى الشابّ ذو الأحد عشرة سنة تقريبًا يخطب في الناس للعيد خطبة كاملة وكان يحفظ ستة أجزاء من القرآن الكريم، وكان الشيخ واقفًا في المنبر الأيمن. ثمّ تحدّث الشيخ مازحًا معه وملاطفًا له، ثمّ خطب خطبة العيد إلى أن نصح المصلّين بأن يستثمروا في أبنائهم ليصنعوا منهم دعاة وحفّاظًا عاملين بما يعلمون. وقد كان يومًا كُتب له القبول بين الناس، ما زالوا يذكرونه إلى يومنا هذا.

ومن يعرف الشيخ في شبابه لا يستغرب اهتمام الشيخ بالشباب، ولعلّ أدلّ قصّة على هذا هي القصة المعروفة عنه حين بدأ لوحده في الخطابة والدعوة في مسجد لأوّل مرّة، وقد سمعتُ هذه القصّة منه رضي الله عنه:

ذلك أنّ الشيخ محمّد بشير الشلاح رحمه الله تعالى وهو أحد قرّاء دمشق الكبار وأحد أكبر من سعى لبناء المساجد في سوريا، وكان يسعى حينها لبناء مسجد في منطقة القصور بمدينة دمشق، والتي يسكنها الكثير من النصارى والكثير من الأغنياء، فبنى جامع القُصور وجامع الحسن وغيرهما في تلك المنطقة سنة 1964 م، وكانت عادته بعد أن يبني المسجد أن يذهب إلى الشيخ عبد الكريم الرفاعي فيقول له: أنا بنيت الجدران وأنت قم ببناء الأساس (يقصد: الرجال وإقامة الصلاة والعلم في المسجد). فاختار ولدَه سارية وكان يبلغ من العمر حينها ستة عشر عامًا، فما وسع الولد إلا أن يمتثل لأمر والده، لكنّه لم يكن ذا خبرة في الإمامة أو الدعوة، ولم يرسل الشيخ معه أحدًا من إخوانه ليعينه، لكنّ طاعة الأب فيما أراد مقدّمة عنده على تردّده.

أمّ الشيخ سارية الناسَ فترة في جامع القصور، وقد كان بيت والده في حيّ باب سريجة، وهي مسافة غير قليلة بينهما، فكان ينام في المسجد خلال الأسبوع، وفي أوّل زيارة للشيخ سارية إلى بيت والده سأله والده : كيف رأيتَ المسجد يا بنيّ؟ فقال له : جيّد؛ لكن ليس في المسجد شباب فكلّ الذين يصلّون ورائي كبار في السنّ، فأجابه والده: وهل تريد منّي أن أرسل لك شبابًا من هنا ليملؤوا لك المسجد هناك؟ عليكَ أن تأتي أنتَ بشباب الحيّ إلى المسجد. فمرّة أنهى درسّه مع الكبار في السنّ داخل المسجد ثمّ خرج وكان هناك صبية يلعبون بالكرة في ساحةٍ أمام المسجد، فدخل بينهم وشاركهم باللعب وسجّل في مرماهم هدفًا فاستغرب الصبية كيف لشيخ أن يلعب كرة القدم! وعندما تعرّفوا عليه دعاهم لطعام الإفطار في اليوم التالي، وأعدّ لهم مائدة من الفول والحمّص والمسبّحة وغيرها ممّا يُعرف من طعام أهل الشام، فأحبّوا المسجد وبدأ معهم دروسًا شرعيّة، ليصيروا فيما بعد من كبار طلاب هذا المسجد وليكون منهم أعلام في الدعوة في دمشق بعد ذلك. وليكون هذا المسجد بالخطباء والدعاة الذين تعاقبوا عليه منارة للعلم والدعوة ونشر الخير في دمشق كلّها.

أمّا دروس الشيخ وخُطبُه وكلماته فهي مّما لا يحتاج إلى دلالة ولا إشارة، فلقد كانت كلماته على منبر جامع زيد من أبلغ الكلمات وخطابته من ألمع الخطب، وكان له درس كلّ ثلاثاء على كرسيّ التدريس في جامع زيد والذي أسّسه والده الشيخ عبد الكريم ثمّ ورثه الشيخ محمّد عوض ثمّ جاء الشيخ سارية ليحافظ على هذا الدرس. وأكاد أجزم أنّه لا يوجد أحد من أهل دمشق وغوطتيها وريفها على وجه الخصوص إلا وقد سمع كلمة أو خطبة أو موعظة أو درس علم من الشيخ سارية، فلقد طاف بعلمه كلّ مكان وجال بوعظه الحارات والشوارع ودخل الأفراح فكان جزءًا لا يتجزأ منها ووقف مع أهل الأتراح فكان وجوده بينهم خير عزاء لهم. يجد الباحث عن خطبه ودروسه الكثير منها على شبكة الانترنيت العالميّة، وهي حاضرة في أذهان طلاب العلم والعلماء والوعّاظ وحبيسة في دفاتر الكثير منهم.

 

ومن أشهر ما يرتبط في أذهان الناس حين يُذكر الشيخ سارية ومعه جامع زيد هي جلسة الصفاء؛ وهي سنّة سنّها والده الشيخ عبد الكريم ثمّ أبقى عليها الشيخ حتّى خروجه من دمشق وما زالت قائمة بعده؛ كانت جلسة من جلسات أهل الجنّة على الأرض تُقرؤ فيها أذكار واردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وأوراد اختارها الشيخ عبد الكريم ممّا ورد عن بعض أهل الصلاح والتقوى كالإمام النووي وغيره، ثمّ تكون في الجلسة موعظة ويتخلّل ذلك إنشاد وإرشاد، يحضر تلك الجلسة مئات وأحيانًا آلاف من البشر يتقاطرون إلى حضورها في جامع زيد وجوامع أخرى في دمشق وريفها كلّ أسبوع بانتظام. وكان لهذه الجلسة الأسبوعيّة أسرار عظيمة وكرامات جليلة شهدها المئات من الناس وتحدّث عنها الكثير من الدعاة والعلماء. وكانت فيها تجلّيات عجيبة يعرفها من كان له منها نصيب.

 

كان الشباب يتسابقون للجلوس بين يدي الشيخ سارية وكان يُسرّ هو بذلك كثيرًا، فلقد كان يقول: (عندما أجلس إلى الشباب أشعر كأنّي أعود شابًّا)، وكان كلّ من يجلس بين يديه يشعر بأنّه لا فرق بينه وبين أولاد الشيخ من لحمه ودمه، بل تكاد لا تميّز أبناءَه من الجالسين إلا عندما تراهم يخدمون ضيوفه في بيته. وقد روى المحقّق صاهب الهمّة واللغويّ أيمن ذو الغنى موقفًا يدلّل على حرص الشيخ سارية على طلابه أكثر من حرصه على أولاده؛ حقيقة لا مجازًا: يقول:

((في أحد احتفالات تخريج الحُفَّاظ وتكريم المتفوِّقين في جامعاتهم من الطلَّاب بجامع زيد، عام 1999، اختِيرَ أخي الحبيب الأريب زميل الجامعة ورفيق المسجد عبد الرحمن الحرش ليكون عَريفًا للحفل، وهو الشابُّ النابه الألمعي، والخطيب المُبِين المبشِّر بمستقبل واعد (وهو اليومَ باحث ودكتور وأستاذ جامعي). وقد أعدَّ العُدَّة للأمر، وهيَّأ كلمة مُحكمَة لتقديم الحفَّاظ، وقضَيتُ معه سُويعةً في مراجعة بعض فِقراتها، وما ضمَّنها من أشعار.

ثم فوجئنا قُبَيل الحفل بنصف ساعة فقط بشيخنا سارية يدخل علينا، ويقرِّر أن يتولَّى ابنُه الأخ الحبيب عمَّار الرفاعي عِرافةَ الحفل بدلَ عبد الرحمن! وكان وَقعُ القرار علينا كطَودٍ هوى فوق رؤوسنا! واستأتُ حقًّا وكثيرٌ من إخواني لهذا القرار، وشعرنا أن الشيخ جامل ولدَه عمَّارًا ولم يُبالِ بمشاعر أخينا عبد الرحمن! وكثُرت الهمهمة والغمغمة بين الإخوة والطلَّاب، في استنكار ما كان، دون أن نعرفَ سببًا وجيهًا له!

وبعد أسبوع كنَّا جلوسًا مع الشيخ في غرفته التي كانت مهوًى لأفئدتنا، وحين خرج أكثر مَن فيها سوى شيخنا أسامة العاشق عليه رحمات الله، وقليل من الإخوة الكرام، اهتَبَلتُ الفرصةَ وتجاسَرتُ مستنكرًا (بأدب جمٍّ) على الشيخ فعلَه في حفل المسجد! 

فأطرق الشيخ هُنَيهة، وكأني به كان متردِّدًا في الجواب، ثم قال: يا شيخ أيمن (وهكذا كان ينادي طلَّابه جميعًا)، لو تعلم سببَ فعلي! لقد دخل عليَّ قُبيل الحفل عناصرُ من الأمن وطلبوا مني أسماء المدرِّسين في حلَقات المسجد والمشرفين على العمل الدعوي فيه. فقلت لهم: القائمون على الدعوة والتدريس والنشاط في المسجد هم أنا وأولادي في قسم الذكور، وزوجتي في قسم الإناث، ولا يشرفُ على المسجد سوانا. 

ثم رأيت أن من الأفضل جعلَ ولدي عمَّارًا عَريفًا للحفل تلك الليلة، حرصًا على سلامة ابننا عبد الرحمن. وكم شعَرتُ بتأنيب الضمير حين بيَّن الشيخ السبب! لقد كان حريصًا علينا وعلى سلامتنا أكثرَ من حِرصه على أبنائه وأفراد أسرته، وهم قِطَعٌ من روحه. فتأمَّل!

أوسعَ ربي له من رحمته، وجلَّله بعفوه ومغفرته.))


 

علاقته بعلماء الأمّة وقضيّة فلسطين:

كان الشيخ سارية كثير الزيارة لأهل العلم والدعوة والصلاح في عصره واللقاء بهم. ويرى أنّ ذلك واجب ومهمّ جدًا لنهوض الأمّة المسلمة. وخاصّة أنّ كثيرًا منهم كانوا على صلة بوالده الشيخ عبد الكريم الرفاعي ثمّ بقي الوصل والحبّ بينهم بعد وفاة الشيخ عبد الكريم، هم جَمْعٌ كثير لا يمكن إحصاؤه، وخاصّة أن الشيخ زار الكثير من البلاد؛ ذكرتُ بعضها في هذه الترجمة، والبعض الآخر كبنغلادش وباكستان وماليزيا وكشمير وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا. لكن سأذكر بعضًا منهم هنا حسبما يأتي السياق بذكرهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر: الإمام الوزير الداعية الربّانيّ المفسّر محمد متولي الشعراوي المصريّ (1911 - 1998 م) (في مصر)، والشيخ نعمة الله خليل إبراهيم يورت التركيّ المعروف بخوجة إمام المركز الإسلامي في اليابان (1931 - 2021 م) (في استانبول)، أديب الفقهاء وفقيه الأدباء الألمعيّ محمّد علي الطنطاوي الدمشقيّ (1909 - 1999 م) (في مكة أو جدّة)، الشيخ اللغويّ محمد بن لطفي الصبّاغ الميداني الدمشقي الشافعيّ (1929 - 2017 م) .......

 

حجّ الشيخ سارية رحمه الله كثيرًا من الحجج، لكنّ حاله من حال علماء الأمّة وقادتها فلا يمكن إلا أن يستغلّ وجوده في هذا المؤتمر الإسلاميّ العظيم -الحجّ- بلقائه علماء وقادة ووجهاء الأمّة الإسلاميّة جمعاء. كانت آخر سنّة حجّ فيها هي 2012 م والتقى فيها بشيخ الأقصى المرابط المجاهد رائد صلاح - حفظه الله - .
والتقى بالعالم المجاهد السياسيّ عبد المجيد بن عزيز الزنداني اليمنيّ (1942 - 2024 م) مؤسّس الهيئة العالميّة للإعجاز العلميّ في القرآن والسنّة في مكة المكرمة.
عاصر الشيخُ زعيم ومؤسّس جماعة "إسماعيل آغا" الشيخ الصالح محمود أوسطى عثمان أوغلو التركيّ الطرابزوني الاستانبولي (1929 - 2022 م) شيخَ الطريقة النقشبنديّة في تركيّا والتقى به مرّات عديدة، وكانا على وفاء ومحبّة ظاهرة رحمهما الله تعالى. وكذلك كانت له محبة خاصّة لدى الشيخ الخليفة للجماعة الربّانيّ الشيخ حسن قِلِيجْ أفندي التركيّ الطرابزوني الاستانبولي (1931 - 2022 م).

إنّ أعظم قضيّة في الحِقْبة التي عاصرها الشيخ سارية هي استيلاء اليهود على أرض الإسراء والمسجد الأقصى المبارك المباركة وما حولها، حيث قامت الثورات والانتفاضات المتتالية من شعب أرض فلسطين، كانت هذه القضيّة تأخذ من اهتمام الشيخ الجانب الأكبر وهي كذلك عند كلّ مسلم، وكان يتابع دائمًا أحداث غزّة والقدس وجميع الأعمال الجهاديّة على أرض فلسطين فيستنبط ممّا يحدث ما يمكن أن يكون عبرة وعظة للمسلمين جميعهم، ومّما قاله في أحد الحروب التي شنّها اليهود الصهاينة على أرض غزّة: ((لقد علّمتنا غزّة أن الاحترام في هذا العالم لا يكون إلا للقوي، وأنّ الحق لا يُعترف به ما لم تؤيده القوّة التي تجبر العدو على الرضوخ للمفاوضة، وربّما الهزيمة. علّمتنا غزّة أنّ الاعتصام بالله والالتجاء إليه ووحدة الراية يحقّقون قول الله عزّ وجل : « ... كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . من أهمّ ما علمتنا إياه غزّة أنّ النصر لا يتحقّق إلا حين تكون الكلمة واحدة، والغاية واضحة؛ فتعدّد الفصائل وتناحرها الداخلي لا ينفع إلا العدو، وأخصّ بالنصيحة هنا الإخوة في سورية، فبقدر ما تكون كلمتنا واحدة وبقدر ما تكون الرايات موحّدة، بقدر ما نُجبر العدوّ على الرضوخ.)).

ولعلّ أبناءً الشيخ يذكرون الكثيرَ غيرهم من أهل العلم والصلاح حول العالم ممّن كان بينهم وبين الشيخ خصوصيّة وودّ وتعاون...

 

 

ممّن عاصر وصاحبَ وأدركَ من أهل العلم والقرآن والفضل في سورِيَا:

كان للشيخ سارية أخوّة تجمعه مع جمهرة من أهل العلم والدعوة والصلاح، تنادوا إلى حمل أمانة الدعوة وتعاهدوا على الاهتمام بإصلاح حال أهل سوريا ونشر العلم والهداية فيهم وفي كلّ مكان من هذه الأرض يستطيعون الوصول إليه أو إيصال صوت دعوتهم إليه. وهم كثيرون لا يمكنني حصرهم الآن في هذه الترجمة المقتضبة عن حياة الشيخ رحمه الله ورحم من سبقه منهم إلى ديار الحقّ، وحفظ من بقي منهم ومن طلابه وطلابهم جميعًا.
يتصدّرهم الشيخ الخطيب المُسقع فلتة زمانه في نشر الدعوة وجبر الخواطر العالم الربّاني محمد بن محيي الدين عوض الدمشقي دفين بقيع الغرقد (1931 - 2009 م)، الذي تقاطرت إلى زيارته والانتفاع منه أجيال وجماعات كثيرة لا تُحصى من الناس، وعادت إليه مشيخة جامع زيد بن ثابت بعد أن توفّي الشيخ المؤسّس عبد الكريم.
والشيخ شوكت بن حسن الجبالي اليافويّ - نسبة إلى يافا في فلسطين - الذي استوطن دمشق ودفن فيها (1932 - 1989 م) المجاهد الخطيب المؤثّر المربّي الربّاني، كان من أعمدة جامع زيد وخاصّة بعد أن خرج الشيخ محمّد عوض إلى المدينة المنوّرة، استندت الدعوة في مساجد زيد عليه وعلى إخوانه من طلاب الشيخ عبد الكريم كالشيخ محيي الدين الجرّاح والشيخ سعيد كوكي وغيرهم.
والشيخ الداعية المجاهد والتاجر الصادق والخطيب المُصقع محمّد فؤاد بن رشيد شميس العمري الدمشقيّ (1918 - 1966 م) الذي عُرفت عنه غضبته لله تعالى ولعلماء دمشق إن تجرأ أحد من الساسة أو السفهاء على مضايقتهم. رحمه الله تعالى.
وكذلك أحد طلاب الشيخ عبد الكريم الشباب الشيخ الأديب الحافظ المتقن عبد الفتاح السيّد الدمشقيّ - حفظه الله - ، والذي كان حركة دؤوبة وهمّة ناريّة ونشاطًا مستمرًا، وأحد من كتب عن حياة الشيخ عبد الكريم وشخصيّته الفذّة. وممّن خرج في الهجرة الأولى مع إخوانه من طلاب الشيخ عبد الكريم.
وزينة "جامع زيد بن ثابت" الشيخ الطيّب الطبيب محمّد بن محيي الدين عنتر الدمشقيّ المكنّى بأبي النور (توفي سنة 2013 م) دفين البقيع في تربة المدينة المنورّة الطاهرة، وهو الأستاذ المربّي صاحب الصلاح والهمّة.

والداعية اللطيف والمؤثّر الصالح الخطيب عبد الرزاق بن سليم الشُّرَفا أبو تميم (1974 - 2012 م) رحمهما الله تعالى.

والشيخ الحافظ المجيز المتقن محمّد غياث الصبّاغ، والذي كان يحمل راية مكتب زيد العلميّ وهو مكتب أسّسه مع الشيخ سارية ليكون منارة بحثيّة علميّة، واستمر سنوات عديدة، وكانت له منافع عظيمة على طلاب العلم والعمل الدعويّ.

أسماء كبيرة وقامات سامقة كثيرة كان بينهم وبين الشيخ سارية جهودًا وتنسيقًا نهضوا من خلالها بحال الناس ودينهم، أذكر منهم كذلك: 
الحافظ المقرئ الجامع محمد بن طه سكّر الصيّادي الرفاعيّ الحسينيّ (1922 - 2008 م) رحمه الله تعالى وهو أحد كبار شيوخ قرّاء سوريا. (وقد أقام الشيخان سارية وأسامة تكريمًا كبيرًا حضره ما يقرب من عشرة آلاف من أهل دمشق وما حولها عام 2006 م وكان لهذا التكريم وقعٌ عظيم على شباب الأمّة وكان دافعًا للكثير منهم للاعتناء بالقرآن الكريم وحفظه وحضور دروس العلم والموعظة في مساجد دمشق، فكان الشيخ محمّد سكّر ممكن تمّ تكريمه، وكذلك السادة أهل القرآن: الشيخ محيي الدين الكردي، والعالم المقرئ عبد الرزاق بن محمد حسن الحَلَبي أصلًا وشُهرةً الدِّمشقي الحَنَفي (1925 - 2012 م) ، وشيخ قرّاء بلاد الشام المعمّر محمد كريِّم بن سعيد راجح الميدانيّ الدمشقيّ الأديب والخطيب المُصقع، والشيخ المقرئ صاحب أعلى إسناد من طريق الشاطبيّة بكري بن عبد المجيد الطرابيشي شهرة الدمشقيّ أصلًا (1921 - 2012 م) ، والعلّامة المقرئ الشاعر الزاهد شُكْري بن أحمد اللُّحَفِي الدمشقيّ الشاذليّ (1920 - 2015 م) ، والشيخ المقرئ المُدقّق خليل أحمد هبا الدمشقي (1942 - 2007 م). رحم الله من سبقنا منهم إليه وبارك بهمّة وحياة الباقين منهم.).
ومنهم كذلك: العلامة المربّي الزاهد الفقيه الشيخ محمد أديب بنُ أحمدَ الكلّاس شهرةً وعملًا الدمشقي أصلًا (1921 - 2009 م) رحمه الله تعالى. والمؤرّخ العالم الجُغرافيّ الأديب محمود بن شاكر الحرستاني (1932 - 2014 م). ولقد جمعت الشيخَ سارية محبّة وأخوّة مميّزة مع الشيخ المفسّر الموسوعيّ محمد علي الصَّابوني الحلبيّ فريد عصره وزمانه (1930 - 2021 م) وطبع الشيخ سارية كتابه "صفوة التفاسير" عشرات آلاف النسخ على نفقة أهل الخير، ووزّعه على طلاب العلم وكان ذلك من خلال عمل الشيخ سارية في طباعة الكتب وتوزيعها ونشرها حتّى كان هذا أحد أسباب انتشار علم الشيخ الصابوني بين الأمصار الإسلاميّة.

والعارف بالله الشّيخ النسيب محمّد الهاشمي الدمشقيّ مسكنًا الساحليّ الجزائري أصلًا الشاذليّ طريقة (1880 - 1961 م). وأجازه في الحديث عامّة من محدّث الهند وفقيهها الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (1901 - 1992 م). وقد طلب العلم بين يدي شيخ الزمان الوليّ الزاهد الشيخ محمد بن زكريا المرغيلاني البخاري ثم المدني الحنفي النقشبندي (1910 - 2005 م). رحمهم الله تعالى.
ومنهم كذلك: الشيخ نزار بن محمد الخطيب القادريّ الحسنيّ الحنفيّ الدمشقيّ إمام وخطيب الجامع الامويّ بدمشق (1931 - 2014 م). وشيخ الطريقة الشاذليّة العالم المربّي الصالح محمّد هشام البرهاني ابن العلّامة محمد سعيد البرهانيّ الحنفيّ (1932 - 2014 م) الذي كان له مواقف أعلنها مع الشيخ سارية وغيرهم من أهل الحقّ ضدّ النظام القاتل الفاجر إبّان ثورة أهل سوريا في 2011 م. وكبير أكابر أولياء عصره نقيب السادة الأشراف في دمشق الشيخ الفارس السيّد محمّد الفاتح المكّي الكتّاني المغربيّ الدمشقيّ (1920 - 2021 م) . والشيخ خطيب جامع الدقّاق في دمشق الربّاني العالم أبو هشام محمّد الزعبي الطيبي سليل العلم والأدب. والشيخان اللذان قال فيهما الشيخ سارية: ثُلِمَ اليوم في جسد الدعوة ثلمتان وانكشفَ فيه ثَغران: ثغرٌ في حلب بوفاة الشيخ الدكتور محمّد نجيب سراج الدين الحلبيّ المفسّر المحدّث نجل شيخنا الشيخ عبد الله سراج الدين وثغرٌ في اللاذقية بوفاة عالمها الشيخ حسن صاري صاحبِ النهضةِ الدَعوية والإسلامية.
ومنهم الداعية العالم محمد سرور بن نايف زين العابدين الحورانيّ (1983 - 2016 م) كانت له مع الشيخ سارية حال من الأخوّة الصادقة والعمل المشترك في سبيل نهضة الأمّة الكثير، ولعلّ طلاب الشيخين يقصّون بعض ما كان بينهما. والعالم الفقيه الشافعيّ والخطيب الداعية المحقّق أبو لطفي محمّد بن لطفي الصبّاغ الميدانيّ الدمشقيّ (1929 - 2017 م) وقد كان الشيخان على تواصل ومودّة بينهما. ومنهم كذلك المربّي الداعية المتكلّم المُصلح أبو كمال محمّد بن كامل الشربجي الميدانيّ الدمشقيّ أحد تلامذة الشيخ حسن حبنّكة والشيخ إبراهيم الغلايني (1931 - 2015 م). والشيخ العالم المجاهد الصالح صادق بن مرزوق حبنّكة الميدانيّ الدمشقيّ (1918 - 2007 م). رحمهم الله تعالى جميعًا.

 

ومن المعاصرين السادة الأعلام الذين لهم محبة وقرب من الشيخ سارية (وتلك المحبة ميدان واسع يمكن الحديث عنه في مستقبل الأيّام): الفقيه المتمكّن الموسوعيّ الصالح الزاهد علي بن خالد الشربجيّ الدارانيّ (نسبة إلى مدينة داريّا في غوطة دمشق الغربيّة) الشافعيّ المعمّر وصاحب المصنّفات النافعة. والشيخان: أبو الفضل نذير بن محمّد مكتبي الحلبيّ مولدًا الدمشقيّ هوى وسُكنى أَسَدُ منابر دمشقَ والأديب الفصيح والعالم الواعظ المحدّث أبو بشير محمد نعيم العِرْقْسُوسِي الدمشقيّ الخطيب والمحقّق والمحدّث والحافظ المتقن وهما من طلاب الشيخ عبد الكريم الرفاعي - حفظهما الله تعالى - .
وأبو الفضل محمّد بن محمد عوّامة الحلبيّ المدنيّ الحنفيّ العلّامة المحدّث والمحقّق الناقد، والشيخ المجاهد عبد الله مصطفى بريكع رحّال الإدلبيّ، والمحدّث المحقّق شيخ دار الحديث النورية بدمشق محمد مُجِير الخطيب الحسني ابن خطيب دمشق وعالمها الشيخ محمّد أبو الفرج الخطيب وحفيد خطيب جامعها الأمويّ الكبير العلامة عبد القادر الخطيب. والشيخ الفقيه المجاهد أحمد حوّى الحمويّ النعيمي الداعية المؤثّر وابن المجاهد العلامة المفكّر الداعية سعيد حوّى. والشيخ المفضال صاحب الفكر الإسلاميّ الدكتور عبد الكريم بن محمّد الحسن بكّار الحمصيّ، والعلامة الفقيه الحافظ المتمكّن والمحقّق صاحب المصنّفات الدكتور صفوان بن عدنان داودي الدمشقيّ المجاور في المدينة المنوّرة حفظه الله تعالى.
ولا أنسى الدكتور الأصوليّ الفقيه الموسوعيّ محمّد معاذ الخنّ - حفظه الله تعالى - رئيس مجلس الإفتاء في المجلس الإسلاميّ السوري ونائب رئيسه الشيخ أسامة الرفاعي (والمجلس هو هيئة مرجعيّة للمجتمع السوريّ وممثّل عن أغلب الكيانات الشرعيّة فيه) والذي كان أخًا مخلصًا للشيخ وكان وفيًّا لأخوّة الشيخ مع والده العلامة الموسوعيّ الدكتور مصطفى سعيد الخَنّ ( 1923 - 2008 م) الشافعيّ الدمشقيّ رحمه الله.


 

أخيرًا فإنّي أقول ما قاله أحدهم:
الأرضُ تحيا إذا ما عاشَ عالمُها ... متى يمُتْ عالمٌ منها يمت طرفُ
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها ... وإن أبى عاد في أكنافها التلفُ


 

أمّا بعد:
فإنّي أردتُ بهذه الترجمة السريعة لحياة شيخنا وإمامنا أن أعرّف عنه لجمهور المسلمين فيأخذوا العبرة من حياته رضي الله عنه؛ فهي زاخرة بالجهاد والتعبّد والدعوة والنصح للمسلمين. وأن أجعل من هذه المقالة نواة لترجمة أوسع تستنبط العبَر من حياته رحمه الله تعالى، قد أُكملها أنا أو يكملها غيري من طلابه.
ولقد لقيت عناءً في التوفيق بين التاريخين الميلاديّ والهجريّ، لأنّي سارعتُ في إنهائها لإخراجها للقرّاء، على أن أعود بإذن الله تعالى للوقوف على تحقيق التواريخ قدر الإمكان، لذلك اعتمدت التاريخ الميلاديّ فقط.

وقد التزمتُ إنشاءً الترحّم والترضّي على علمائنا والدعاة والصالحين المذكورين، لكريم سيَرهم وطِيب عِطرهم. ومن أنا حتّى أغفُل عن الدعاء لهم!.

ومن الجدير بي أن أذكر أمرًا آخر؛ فقد ضمّنتُ هذه الترجمة بعضَ ما عرفتُه عن الشيخ من مرافقتي له أو لطلابه أو معايشتي للأحداث التي وافقت طلبي للعلم ثمّ عملي في الدعوة والتعليم في جامع زيد بن ثابت في دمشق والمساجد التابعة له، ومن بعد ذلك وجودي قريبًا من عمل الشيخ الدعوي وجهوده جميعها في مصر وتركيا. ولم أُعن بتقييد المصادر ذهابًا إلى أنّني أتممتُ هذه الترجمة يوم وفاته - رحمه الله - بسرعة دون الرجوع إلى أولاده أو طلابه أو من عاصروه وشهدوا معه المشاهد.

اللهمّ أجرنا في مصيبتنا، وباركِ لنا في حياة من بقي من أهل العلم الثقات العاملين وعلى رأسهم شيخنا الشيخ أسامة الرفاعي. ولا أذكر في هذا المقام الجلل إلا قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلّوا وأضلّوا ».

 

وصدق الشاعر محمد محمود قاسم إذ نعاه:

قد كنتَ ساريةً للشَّام شامخةً ... وتحملُ العِلمَ في أرجائها عَلَمًا

وكنتَ منبعَ خيرٍ لم يجِفَّ ندًى ... ويستقي منه من يرتاده كرَمًا

عليكَ من رحَماتِ اللهِ أطيبُها ... وكلُّها طيِّبٌ بالمغفراتِ همَى

 

 

 

 

زاهر تحسين زيادة

كتبتُها يوم وفاته، وقبل أن يُوارى ثرى دمشقَ، وقبل أن تحمله قلوب مئات آلاف الناس إلى مثواه الأخير في مشهد مهيب عظيم، فلم يبقَ أحد من سوريا ممن يعرف قدر العلماء إلا وقد جاء مشيّعًا أو معزّيًا.

اِستانبول 06/01/2025 م